فصل: فوائد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فصل في بيان أن بر الأم مقدم على بر الأب:

وبر الأم مقدم على بر الأب لما سيأتي من الأحاديث، وذلك أنها تنفرد عن الأب بأشياء مِنْهَا مشقة الحمل وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع وكثرة الشفقة والخدمة والحنو.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك».
وعن أنس رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني اشتهي الجهاد ولا أقدر عليه. قال: «هل بقي من والديك أحد؟» قال: أمي. قال: «قابل الله فِي برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد». رواه أبو يعلى والطبراني فِي الصغير والأوسط وإسناد هما جيد.
وعن طلحة بن معاوية السلمي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أريد الجهاد فِي سبيل الله قال: «أمك حية؟» قلت: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألزم رجلها فثم الجنة». رواه الطبراني.
وعن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو، وَقَدْ جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟» قال: نعم. قال: «فألزمها فإن الجنة عند رجلها». رواه ابن ماجة والنسائي واللفظ له والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
ورواه الطبراني بإسناد جيد ولفظه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستشيره فِي الجهاد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألك والدان؟» قلت: نعم. قال: «ألزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما».
وعن أبي الدرداء أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه». رواه ابن ماجة والترمذي واللفظ له.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان تحتي امرأة أحبها وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلقها». رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وابن حبان فِي صحيحه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
زُرْ وَالَدَيْكَ وَقِفْ لي قَبْرَيْهِمَا ** فَكَأَنَّنِيْ بِكَ قَدْ نُقِلْتَ إِلَيْهِمَا

مَا كَانَ ذَنْبَهُمَا إِلَيْكَ فَطَالَمَّا ** مَنَحَاكَ مَحْضَ الْوِدِّ مِنْ نَفْسَيْهِمَا

كَانَا إِذَا مَا أَبْصَرَا بِكَ عِلَّةً ** جَزَعًا لِمَا تَشْكُوْهُ شَقَّ عَلَيْهِمَا

كَانَا إِذَا سَمِعَا أَنِيْنَكَ أَسْبَلاَ ** دَمْعَيْهِمَا أَسَفًا على خَدَّيْهِمَا

وَتَمَنَّيَا لَوْ صَادَفَا لَكَ رَاحَةً ** بِجَمِيْعِ مَا يَحْوِيِهِ مُلْكُ يَدَيْهِمَا

أَنَسِيْتَ حَقَّهُمَا عَشِيَّةَ أُسْكِنَا ** دَارَ الْبَلا وِسَكَنْتَ فِي دَارَيْهِمَا

فَلَتَلْحَقَّهُمَا غَدًا أَوْ بَعْدَهُ ** حَتْمًا كَمَا لَحِقَا هُمَا أَبَوَيْهِمَا

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضا الله فِي رضا الوالد وسخط الله فِي سخط الوالد». رواه الترمذي ورجح وقفه وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وقالا: صحيح على شرط الشيخين.
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة فِي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك». رواه البخاري ومسلم.
قال بعضهم:
لَئِنْ كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَمًا ** فَمَا يَسْتَوِيْ فِي بِرِّهِ الأبُ وَالأمُ

وَهَلْ يَسْتَوِي الْوَضْعَانِ وَضْعُ مَشَقَةٍ ** وَوَضْعُ التِّذَاذٍ ذَاكَ بُرْءٌ وَذَا سُقْمُ

إِذَا التَّفَتَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ بِطَرْفِهَا ** فَكُنْ حَذِرًا مِنْ أَنْ يُصِبْ قَلْبَكَ السَّهْمُ

وَفِي آيَةِ التَّأْفِيفِ لِلْحُرِّ مُقْنِعٌ ** وَلَكِنَّهُ مَا كُلُّ عَبْدٍ لَهُ فَهْمُ

وروى وهب بن منبه فِي حديث طويل أن فتى كان برًا بوالديه وكان يحتطب على ظهره فإذا باعه تصدق بثلثه وأعطى أمه ثلثه، وأبقى لنفسه ثلثه، فقالت له أمه: إني ورثت من أبيك بقرة فتركتها فِي البقر على اسم الله، فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم.
فذهب فصاح بها، فأقبلت فانطقها الله، فقالت: اركبني يا فتى. فقال الفتى: إن أمي لَمْ تأمرني بهذا فقالت: أيها البر بأمه لو ركبتني لَمْ تقدر عليّ فانطلق فلو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله معك لانقلع لبرك بأمك.
فلما جاء بها قالت أمه: بعها بثلاثة دنانير على رضىً مني فبعث الله ملكًا فقال: بكم هذه؟ قال بثلاثة دنانير على رضىً من أمي، قال: لك ستة ولا تستأمرها، فأبى وعاد إِلَى أمه فأخبرها فقال: بعها بستة على رضىً مني، فجاء الملك فقال: خذ اثني عشر ولا تستأمرها فأبى وعاد إِلَى أمه فأخبرها فقالت: يا بني ذاك ملك فقل له: بكم تأمرني أن أبيعها؟ فجاء إليه فقال: يا فتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل فِي بني إسرائيل.
وفي رواية فقال له الملك: اذهب إِلَى أمك وقل لها امسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منك لقتيل يقتل فِي بني إسرائيل فلا تبعها إلا بملء مسكها دنانير فأمسكها وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصفت لهم تلك البقرة مكافأة على بره بوالدته فضلاً من الله ورحمة.
وعن أسير بن جابر رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه إذ أتى أمراء اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى عليه فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكان بك برص فبرأت مِنْه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم.
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ مِنْه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل». فاستغفر لي، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال ألا أكتب لك إِلَى عاملها؟
قال: أكون فِي غبراء الناس أحب إلي. فانظر المنزلة التي بلغها هذا البار بأمه حتى كان من شأنه أن يخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن يقول لعمر: «إن استطعت أن يستغفر لك فافعل إذا أتى». ثم حرص عمر رضي الله عنه على السؤال عن أويس ليطلب مِنْه الاستغفار له.
رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً قَدْ حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ولكن أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرًا.
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إِلَى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم قال رجل مِنْهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا مَا نحن فيه من هذه الصخرة. فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج معه قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إليّ فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها. فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا مَا نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج مِنْها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت مِنْه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إلّي أجري فقلت: كل مَا ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت: إني لا استهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك مِنْه شيئًا. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا مَا نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون». والشاهد من الحديث لما نحن فيه قصة الأول الذي هو البار بوالديه.
قال بعضهم:
لأمِّكَ حَقٌّ لَوْ عَلِمْتَ كَبِيْرُ ** كَثِيْرُكَ يَا هَذَا لَدَيْهِ يَسِيْرُ

فَكَمْ لَيْلَةٍ بَاتَتْ بِثُقْلِكَ تَشْتَكِي ** لَهَا مِنْ جَوَاهَا أَنَّهُ وَزَفِيرُ

وَفِي الْوَضْعِ لَوْ تَدْرِي عَلَيْكَ مَشَقَّةٌ ** فَكَمْ غُصَصٍ مِنْهَا الْفُؤَادُ يَطِيرُ

وَكَمْ غَسَّلَتْ عَنْكَ الأذَى بِيَمِينِهَا ** وَمِنْ ثَدْيِهَا شُرْبٌ لَدَيْكَ نَمِيرُ

وَكَمْ مَرَّةٍ جَاعَتْ وَأَعْطَتْكَ قُوْتِهَا ** حُنُوًّا وَإِشْفَاقًا وَأَنْتَ صَغِيرُ

فَضَيَّعْتَهَا لَمَّا أَسَنَّتْ جَهَالَةً ** وَطَالَ عَلَيْكَ الأَمْرُ وَهُوَ قَصِيرُ

فَآهًا لِذِيْ عَقْلٍ وَيَتَّبِعُ الْهَوَى ** وَوَاهًا لأَعْمَى الْقَلْبِ وَهُوَ بَصِيرُ

فَدُوْنَكَ فَارْغَبْ فِي عَمِيْمِ دَعَائِهَا ** فَأَنْتَ لِمَا تَدْعُوْ إِلَيْهِ فِقِيرُ

اللهم علمنا مَا ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ولا تجعل علمنا وبالاً علينا اللهم قوي معرفتنا بك وبأسمائك وصفاتك ونور بصائرنا وتمعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا يا رب العالمين واغفر لنا لوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.

.فصل في بيان أن بر الوالدين ليس مقصورا على الحياة فقط:

وليس بر الوالدين مقصورًا على الحياة فقط فقد ورد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما.
قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما». رواه أبو داود وابن حبان فِي صحيحه، وزاد فِي آخره، قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله وأطيبه. قال: «فاعمل به».
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة فسلم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه، قال ابن دينار: فقلنا له: أصلحك الله إنهم الأعراب وهو يرضون باليسير فقال عبد الله بن عمر: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه». رواه مسلم.
وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لَمْ أتيتك؟ قال: قلت لا. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يصل أباه فِي قبره فليصل إخوان أبيه بعده». وإنه كان بين عمر وبين أبيك إخاء وود فأحببت أن أصل ذاك. رواه ابن حبان فِي صحيحه.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان كذلكم البر كذلكم البر». وكان أبر الناس بأمه. رواه فِي شرح السنة والبيهقي فِي الشعب شعب الإيمان.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح مطيعًا لله فِي والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة وإن كان واحدًا فواحدًا ومن أمسى عاصيًا لله فِي والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار وإن كان واحدًا فواحدٌ». قال رجل: وإن ظلماه؟ قال: «وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه».
وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا من ولد بار ينظر إِلَى والديه نظر رحمة إلا كتب له بكل نظرة حجة مبرورة». قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟ قال: «نعم الله أكبر وأطيب». رواهما البيهقي فِي شعب الإيمان.

.فوائد:

ولما ماتت أم إياس الذكي القاضي المشهور بكى عليها فقيل له فِي ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إِلَى الجنة فغلق أحدهما وكان رجل من المتعبدين يقبل كل يوم قدم أمه فأبطأ يومًا على أصحابه فسألوه فقال: كنت أتمرغ فِي رياض الجنة، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات.
وقيل لعلي بن الحسين: إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك فِي صحفة فقال: أخاف أن تسبق يدي يدها إِلَى مَا تسبق إليه عيناها فأكون قَدْ عققتها. ويا للأسف نحن فِي جيل أكثر أهله لا يرى للوالدين حقًّا بل يستهين بهما وينتقصهما وربما شتمها أو مَا هو أعظم من ذلك من فلذلك إذا رأيت الوالدين فِي هذا الوقت المظلم ورأيت خدمتها لولدهما رحمتها وربما ذرفت عيناك وتألم قلبك.
وتجد هذا المخدوم ربما أنه لا يصلي أصلاً أو لا يشهد الجماعة أو من أهل الفساد والأسكار وشرب الدخان أو ممن يشتبه باليهود والنصارى والمجوس بحلق لحيته أو يجعل خنافس أو تواليت أو ممن يعكف عند المحرمات والملاهي وسائر المنكرات طوال ليله عبد فم وفرج.
هَذَا الزَّمَانُ الذِّيْ كُنَّا نُحَاذِرُهُ ** فِي قَوْلِ كَعْبٍ وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُوْدِ

دَهْرٌ بِهِ الْحَقُّ مَرْدُوْدٌ بِأَجْمَعِِهِ ** وِالظُّلْمُ وَالْبَغْيُ فِيهِ غَيْرُ مَرْدُوْدِ

إِنْ دَامَ هَذَا وَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ غَيْرٌ ** لَمْ يُبْكِ مَيْتٌ وَلِمْ يَفْرَحْ بِمَوْلُوْدِ

آخر:
إِلَى اللهِ أَشْكُوْ وِحْدَتِي فِي مَصَائِبِي ** وَهَذَا زَمَانُ الصَّبْرِ لَوْ كُنْتَ حَازِمَا

عَلَيْكَ بِالاسْتِرْجَاعِ إِنَّكَ فَاقِدٌ ** حَيَاةَ الْعُلَى وَابْغِ السُّلُوَّ مُنَادِمَا

قال أحمد رضي الله عنه: بر الوالدين كفارة الكبائر وكذا ذكر ابن عبد البر عن مكحول، ويشهد لهذا مَا رواه الترمذي واللفظ له وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال: «هل لك من أم». وفي رواية ابن حبان والحاكم «هل لك والدان؟» قال: لا. قال: «فهل لك من خالة». قال: نعم، قال: «فبرها». ومن الفوائد أن أبا هريرة رأى رجلاً يمشي خلف رجل فقال: من هذا؟ قال: أبي قال: لا تدعه باسمه، ولا تجلس قبله، ولا تمشي أمامه.
وذكر فِي الحديث فِي تفسير قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} عنه صلى الله عليه وسلم قال: «المصاحبة بالمعروف أن يطعمهما إذا جاعا ويكسوهما إذا عريا».
ومن حقوقهما خدمتهما إذا احتاجا أو أحدهما على خدمة وإجابة دعوتهما، وامتثال أمرهما مَا لَمْ يكن معصية لله فلا طاعة لمخلوق فِي معصية الخالق. ومن حقوقهما التكلم معهما باللين واللطف، ومن ذلك أن لا يدعوهما باسمهما، وأن يمشي خلفهما، وأن يدعو الله لهما بالمغفرة والرحمة. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.

.موعظة:

عباد الله أحسنوا إِلَى الوالدين مَا أمكن لكم الإحسان، وإن حسبتم أنكم كافأتموهم فِي ذلك الإحسان، وكنوا معهما فِي غاية الأدب والاحترام، واحذروا سوء الأدب عندهما وإلا هويتم فِي هوة شقاء مَا لها من قرار وكونوا معهما فِي إجلال واحترام، وتقدير تام وإن حصل منهما لك ظلم.
لأنهما اللذان لولا الله ثم لولاهما لَمْ تخرج على هذا الوجود ولأنهما اللذان سخرهما الله لك فصبرًا على مَا رأيا من الأهوال، وسخرهما لتربيتك والعناية بك فِي هذه الحياة. تذكر زمن حمل أمك بك وأنت فِي بطنها علة من أكبر العلل، وتذكر وقت أن كانت تلدك وهي مما بها من الأحياء ولا من الأموات وتذكر مَا خرج عقب ولادتك من النزيف الدم الذي هو نفسها.
وتذكر أنك تمص دمها مدة الرضاع، وسرورها بك تقصر عن شرحه العبارات. وتذكر تنظيفها لبدنك وملابسك من الأقذار، وتذكر فزعها عندما يعتريك خوف أو مرض أو نحو ذلك، وتذكر دفاعها عنك إذا اعتدى عليك معتدي.
وتذكر حرصها الشديد على أن تعيش لها ولو حرمت لذة الطعام والشراب وتذكر سهرها عليك عندما يؤلمك شيء من جسدك، وتذكر كد والدك عليك فِي تحصيل مَا به تحيا بإذن الله، لا يهدؤ عن ذلك والدك مدى الليالي والأيام، وكلما خشِيَ أن تجوع تقحم الشدائد وهام على وجهه في الدنيا لا يرده إلا يرده إلا أن يراك فِي يسارٍ.
وتذكر عنايته بك فِي تعليمك وتوجيهك إِلَى مَا فيه صلاح دينك ودنياك وتذكر حياطته ونصحه لك ومقاسات الشدائد لراحتك، وتذكر فرحه واستبشاره بمحبتك ونجاحك، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك فِي مظنة أوقات الإجابة أن يصلحك الله ويوفقك.
وتذكر قلقهما والأدلاج فِي البحث عنك إذا تأخرت عن وقت المجيء، وتأمل وتذكر بشاشتها فيمن يعز عليك لسرورهما بما يسرك، من أجل ذلك أكد الله وشدد عليك بالوصية بهما.
وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنهما جنتك ونارك، وقدم برهما على الجهاد، ودعا أن يرغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، وأخبر بأكبر الكبائر فذكر عقوقهما بعد الإشراك بالله.
فَكَمْ وَلَدٍ لِلْوَالِدَيْنِ مُضَيَّعٌ ** يُجَازِيْهِمَا بُخْلاً بِمَا نَحْلاهُ

طَوَى عَنْهُمَا الْقُوتَ الزَّهِيدَ نَفَاسَةً ** وَجَرَّاهُ سَارَا الْحُزْنَ وَارْتَحَلاهُ

وَلامَهُمَا عَنْ فَرْطِ حُبِّهِمَا لَهُ ** وَفِي بُغْضِهِ إِيَاهُمَا عَذْلاهُ

أَسَاءَ فَلَمْ يَعْدِلْهُمَا بِشِرَاكِهِ ** وَكَانَا بِأَنْوَارِ الدُّجَى عَدَلاهُ

يُعِيْرُهُمَا طَرَفًا مِنْ الْغَيْظِ شَافِنًا ** كَأَنَّهُمَا فِي مَا مَضَى تَبِلاهُ

يَنَامُ إِذَا مَا ادْنَفَا وَإِذَا سَرَى ** لَهُ الشَّكُوْبَاتَ الْغُمْضَ مَا اكْتَحَلاهُ

إِن ادَّعَيَا فِي وُدِّهِ الْجُهْدَ صُدِّقَا ** وَمَا اتُّهِمَا فِيْهِ فَيَنْتَحِلاهُ

يَغُشُّهُمَا فِي الأَمْرِ هَانَ وَطَالَمَا ** أَفَاءَا عَلَيْهِ النُّصْحَ وَانْتَحَلاهُ

يَسُرُّهُمَا أَنْ يَهْجُرَ الْقَبْرَ دَهْرَهُ ** وَأَنَّهُمَا مِنْ قَبْلِهِ نَزَلاهُ

وَلَوْ بِمُشَارِ الْعَيْنِ يُوْحِيْ إِلَيْهِمَا ** لَوْ شَكْ اعْتِزَالِ الْعَيْشِ لاعْتَزَلاهُ

يَوَدَّانِ إِكْرَامًا لَوْ انْتَعَلَ السُّهَا ** وَإِنْ حَذِيَا السَّلاءَ وَانْتَعَلاهُ

يَذُمُّ لِفَرْطِ الْغَيِّ مَا فَعَلا بِهِ ** وَأَحْسِنْ وَأَجْمِلْ بِالذِّي فَعَلاهُ

يَعُدَّانِهِ كَالصَّارِمِ الْعَضْبِ فِي الْعِدَا ** بِظَنِّهِمَا وَالذَّابِلَ اعْتَقَلاهُ

وَيُؤْثِرُ فِي السِّرِّ الْكَنِينِ سَوَاءَهُ ** فَيَنْقُلُهُ عَنْهُ وَمَا نَقَلاهُ

اللهم اعصمنا عن المعاصي والزلات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.